عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

278

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

والصفات بقريب من ظهور الحق فيها ، لأنه يستحيل أن يستوفي العبد حقيقة صفة من الصفات ، ولكنه إذا انصرف على سبيل التمكين فيها بحيث لا يستعصى عليه شيء مما يطلبه فعلم ما تشوّف لعلمه وفعل ما أراد حدوثه في العالم ، مثل إحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك مما هو اللّه تعالى ، فقد قارب الحق أي صار في جوار اللّه تعالى ، فهذا القرب هو الجوار . ألا ترى إلى أهل الجنة لما كانوا في نوع من جوار اللّه تعالى كيف انفعلت لهم الأكوان . فما شاءوه كان في الجنة ، فهذا قرب ، وأوّل حضرات هذا المقام الخلة ، وهو أن يتخلل العبد بالحق تعالى فيظهر في جميع أجزاء جسده آثار التخلل بأن تنفعل الأشياء له بلفظة ( كن ) ، وأن يبرئ العلل والأمراض ويأتي بالمخترعات بيده ، وأن يكون لرجله المشي في الهواء وأن يقدر على التصوّر بكل صورة بتمام هيكله ، وهذا معنى قوله : لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي ينطق به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها « 1 » فإذا كان الحق تعالى سمعه وبصره ورجله وباقي جسده كان ذلك العبد خليل اللّه تعالى ، يعني تخللته أنوار الحق تعالى ، فهو خليل اللّه له من مقام الخلة الإبراهيمية نصيب ؛ فإن الجسد جميعه بين جوارح وقوى ، فالجوارح هي كاليد والرجل والقوى هي كالسمع والبصر فعمّ باطنه وظاهره ، فكل واحدة من هؤلاء أعني سمعه وبصره ولسانه ورجله ويده تنفعل الأكوان لها لأنها اللّه تعالى ، فيفعل بيده ويتكلم بيده ويبطش بيده وينظر بيده ويعلم بيده ، وكذلك كل جارحة من جوارحه وقوّة من قواه يفعل بها جميع ذلك وذلك شاهد الخلة . ألا ترى إلى سد هذا المقام وهو إبراهيم عليه السلام لما أراد شهود تحقيق ذلك كيف أخذ أربعة من الطير فجعل على كل جبل منهن جزءا ، فلما دعاهنّ بلسانه أتينه سعيا ، وذلك شاهد أنه على كل شيء قدير ، فقد قارب بهذه الآيات إلى حضرة الكبير المتعال . واعلم أن مقام القربة هي الوسيلة ، وذلك لأن الواصل إليها يصير وسيلة للقلوب إلى السكون إلى التحقق بالحقائق الإلهية ؛ والأصل في هذا أن القلوب ساذجة في الأصل عن جميع الحقائق الإلهية ، ولو كانت مخلوقة فإنها منها بنزولها إلى عالم الأكوان اكتسبت هذه السذاجة فلا تقبل شيئا في نفسها حتى تشاهده في غيرها ،

--> ( 1 ) سبق تخريجه .